اللواء طبيب فهد بن خليفة آل خليفة
MB.BCh.BAO.LRCP&SI, MSc (RCSI-MUB), FRCS (Canada), FRCS (Ireland)
قائد الخدمات الطبية الملكية
أستاذ الجراحة بالكلية الملكية للجراحين في أيرلندا – جامعة البحرين الطبية
استشاري جراحة العظام واختصاصي جراحة الأطراف العلوية
لم تقتصر جراحة العظام يومًا على علاج الكسور أو استبدال المفاصل أو إصلاح الأوتار، بل تتجاوز ذلك إلى غاية إنسانية وطبية أعمق، تتمثل في استعادة القدرة على الحركة، وتخفيف الألم، وتمكين المرضى من العودة إلى ممارسة حياتهم بالصورة التي يتطلعون إليها.
ومنذ أن بدأ اللواء طبيب فهد بن خليفة آل خليفة مسيرته المهنية في تخصص جراحة العظام عام 1998، شهد هذا التخصص تطورات طبية وجراحية نوعية، كان لسعادته دور بارز في قيادتها والإسهام في تقدمها. وعلى مدى أكثر من عقدين، تنوعت خبراته الطبية والجراحية لتشمل علاج الإصابات الرياضية، وجراحة الأطراف العلوية، والجراحات بالمنظار، وجراحة الإصابات والكسور، وإعادة بناء المفاصل، إلى جانب خبرته الواسعة في جراحات استبدال مفصلي الورك والركبة، وجراحات مراجعة استبدال المفاصل المعقدة، فضلًا عن خبراته في القيادة الاستراتيجية للرعاية الصحية العسكرية.
مسيرة مهنية تجمع بين جراحة العظام والقيادة الطبية
جاء اختياره لتخصص جراحة العظام انطلاقًا من تقديره العميق لما يجمعه هذا التخصص من علوم الطب والتشريح والميكانيكا الحيوية، إلى جانب المهارات العملية والقدرة على إيجاد الحلول للتحديات الطبية والجراحية.
ويتميز الجهاز العضلي الهيكلي بتركيبته المعقدة، إذ تعمل العظام والمفاصل والعضلات والأوتار والأربطة ضمن منظومة ميكانيكية متكاملة، يمكن لأي خلل بسيط في أحد مكوناتها أن يؤثر بصورة كبيرة في استقلالية الفرد وجودة حياته.
وبدأت المسيرة الطبية بحصوله على مؤهلاته العلمية من الكلية الملكية للجراحين في أيرلندا (RCSI) بمدينة دبلن، ثم أكمل برنامج الإقامة في جراحة العظام بجامعة تورنتو في كندا، وحصل على زمالة الكلية الملكية للأطباء والجراحين في كندا (FRCS Canada).
وأعقب ذلك حصوله على زمالة تخصصية في جراحة الأطراف العلوية والإصابات بمستشفى صنيبروك للإصابات في تورنتو، قبل أن يحصل لاحقًا على درجة الماجستير في إدارة الرعاية الصحية من الكلية الملكية للجراحين في أيرلندا – جامعة البحرين الطبية (RCSI-MUB).
وإلى جانب مسيرته الجراحية، كرس جانبًا مهمًا من حياته المهنية للقيادة الطبية العسكرية والحوكمة المؤسسية في مملكة البحرين، حيث تولى عددًا من المناصب القيادية، من بينها رئاسة قسم جراحة العظام وجراحة المخ والأعصاب، ورئاسة مركز الإصابات، ورئاسة غرف العمليات، ومنصب رئيس الهيئة الطبية بمستشفى العسكري التابع للخدمات الطبية الملكية، وصولًا إلى منصبه الحالي قائدًا للخدمات الطبية الملكية.
كما يواصل إسهاماته الأكاديمية والعلمية بصفته أستاذًا للجراحة بالكلية الملكية للجراحين في أيرلندا – جامعة البحرين الطبية، ورئيسًا لمؤسسة AO في مملكة البحرين، من خلال دوره في القيادة الأكاديمية والإشراف على البحوث العلمية وتعليم طلبة الطب وتدريب الأطباء في التخصصات الجراحية.
فلسفة الرعاية الطبية: علاج المريض لا الاكتفاء بنتائج الأشعة
على الرغم من التطورات التكنولوجية المتسارعة التي شهدتها جراحة العظام خلال العقدين الماضيين، سواء في التقنيات الجراحية أو الغرسات الطبية أو برامج التأهيل، ظل مبدأ أساسي راسخًا في ممارسته الطبية، وهو أن المريض يأتي دائمًا في مقدمة الأولويات.
فقد اعتمد تخصص جراحة العظام تقليديًا على الفحص السريري ووسائل التصوير الطبي، بما في ذلك الأشعة السينية والتصوير المقطعي المحوسب والتصوير بالرنين المغناطيسي، لتحديد الخيارات العلاجية المناسبة. إلا أن الرعاية الحديثة في جراحة العظام تتجاوز مجرد تشخيص التغيرات المرضية الظاهرة في الصور الطبية.
فقد يظهر فحص الأشعة لمريضين نتائج متطابقة، بينما تختلف الأعراض التي يعاني منها كل منهما، وطبيعة حياته اليومية، وتوقعاته بشأن استعادة قدراته الوظيفية. فقد يطمح أحد المرضى إلى المشي داخل منزله براحة أو النوم طوال الليل دون ألم، في حين يسعى مريض آخر إلى العودة لممارسة رياضة الغولف أو الجري أو المشاركة في المنافسات الرياضية.
ومن هذا المنطلق، يولي أهمية خاصة لفهم ما تعيق الحالة المرضية المريض عن القيام به، وما يتطلع إلى تحقيقه بعد العلاج، باعتبار ذلك جزءًا أساسيًا من كل استشارة طبية.
فليست جميع التغيرات المرضية التي تظهر في صور الأشعة تستدعي التدخل الجراحي، بل ينبغي أن تراعي القرارات العلاجية أولويات كل مريض، ومدى تأثر قدراته الوظيفية، وظروفه الصحية.
وبذلك، تصبح الاستشارة الطبية شراكة قائمة على التكامل بين الخبرة السريرية للطبيب والأهداف العلاجية للمريض.
تنوع الخبرات الجراحية: من الإصابات المعقدة إلى جراحة الأطراف العلوية ومراجعة استبدال المفاصل
تمتد الخبرات السريرية والجراحية لسعادته لتشمل جراحات العظام الطارئة والاختيارية، بما يعكس تنوعًا واسعًا في مجالات تخصصه، ومن أبرزها:
- جراحة الأطراف العلوية والكتف:
تشمل العلاج الجراحي المفتوح وبالمنظار للحالات المعقدة التي تصيب مفصل الكتف، وإصلاح تمزقات أوتار الكفة المدورة، وعلاج عدم استقرار مفصل الكتف، وجراحات تحرير الأعصاب من الضغط، إلى جانب جراحات استبدال مفصلي الكتف والمرفق.
- الإصابات الرياضية وجراحة المفاصل بالمنظار:
إجراء أعداد كبيرة من جراحات الركبة والكاحل بالمنظار، بما في ذلك إعادة بناء الرباط الصليبي الأمامي (ACL)، وإصلاح الإصابات المعقدة التي تشمل عدة أربطة، بهدف المحافظة على الوظيفة الحركية للمفاصل.
- جراحة الإصابات وإعادة البناء:
تشمل التثبيت الجراحي الدقيق للكسور الحادة باستخدام الصفائح ذات البراغي القفلية، والمسامير النخاعية، وأجهزة التثبيت الخارجية، فضلًا عن الجراحات الترميمية اللاحقة لعلاج الإصابات المعقدة وتصحيح التشوهات.
- جراحات استبدال المفاصل وإعادة استبدالها:
يتمتع سعادته بخبرة واسعة في جراحات الاستبدال الأولي لمفصلي الورك والركبة، حيث يُجري نحو 125 عملية لاستبدال مفصل الركبة سنويًا.
كما تشمل خبراته جراحات مراجعة استبدال مفصلي الركبة والورك في الحالات المعقدة، بما في ذلك حالات فشل الغرسات المفصلية السابقة، والفقدان الشديد للكتلة العظمية، وتكوّن الأنسجة الندبية، وعدم استقرار المفاصل.
نقلة نوعية في جراحات استبدال مفصل الركبة بمساعدة الروبوت
يعد إدخال تقنيات المساعدة الروبوتية في جراحات الاستبدال الكلي لمفصل الركبة من أبرز التطورات التي شهدها تخصص جراحة العظام في العصر الحديث.
فلكل مفصل ركبة خصائص تشريحية تختلف من مريض إلى آخر، سواء من حيث شكل العظام، أو محاذاة الطرف السفلي، أو وجود التشوهات، أو توازن الأربطة المحيطة بالمفصل.
وعلى الرغم من أن التقنيات التقليدية لاستبدال المفاصل أسهمت في تحسين حياة ملايين المرضى، فإن التقنيات الروبوتية أتاحت مستويات متقدمة من التخطيط الرقمي ثلاثي الأبعاد، وتوفير البيانات الفورية أثناء الجراحة، وتعزيز الدقة في تنفيذ الإجراءات الجراحية.
ويؤكد سعادته أن التقنيات الروبوتية لا تحل محل الجرّاح، وإنما تمثّل أداة متطورة تدعم خبرته وقراراته الجراحية.
وتبدأ هذه العملية بالتخطيط الدقيق قبل الجراحة، فيما يوفّر النظام الروبوتي أثناء العملية بيانات لحظية تساعد الجرّاح على تحضير العظام بدقة، وتحديد موضع الغرسات المفصلية، وضبط محاذاة الطرف السفلي، وتحقيق التوازن بين الأنسجة الرخوة، بما يتناسب مع الخصائص التشريحية لكل مريض.
ويمثل هذا التحول من الأساليب الجراحية الموحدة إلى الإجراءات المصممة وفق الخصائص الفردية للمريض والمستندة إلى البيانات، تكاملًا مهمًا بين الخبرة الجراحية والتكنولوجيا الحديثة.
فالخبرة الجراحية توفر الفهم العميق للتشريح والحالات المرضية والتحديات غير المتوقعة التي قد تظهر أثناء العملية، في حين تسهم التكنولوجيا في تعزيز دقة تنفيذ الخطة الجراحية وتحقيق مستوى عالٍ من الاتساق في النتائج الإجرائية.
الأثر المستدام: المقياس الحقيقي لنجاح الجراحة
لا يقتصر المقياس الحقيقي لنجاح العمليات الجراحية على مدى تطور التجهيزات والتقنيات داخل غرف العمليات، بل يمتد إلى النتائج التي يلمسها المرضى في حياتهم اليومية، من خلال تخفيف الألم، واستعادة القدرة على الحركة، والعودة إلى ممارسة الأنشطة التي تمنح حياتهم معنى وقيمة.
وتتمثل أكثر اللحظات تأثيرًا في مسيرة جراح العظام في تلك التي يشهدها خلال متابعة مرضاه في العيادة، عندما يخبره أحدهم بأنه أصبح قادرًا على المشي دون ألم، أو العودة إلى ممارسة رياضته المفضلة، أو صعود الدرج بصورة مستقلة، أو استعادة تفاصيل حياته اليومية بعيدًا عن المعاناة المستمرة من الألم المزمن.
فالعملية الجراحية ليست سوى محطة واحدة في رحلة العلاج، أما الغاية الأسمى فهي مساعدة المرضى على استعادة ثقتهم بقدرتهم على الحركة.
ومع التطلع إلى المستقبل، سيواصل تخصص جراحة العظام الاستفادة من التطورات المتقدمة في تقنيات التصوير الطبي، وتحليل البيانات، والأنظمة الروبوتية، والذكاء الاصطناعي، وأنظمة التخطيط العلاجي المخصصة لكل مريض.
ومهما بلغت هذه التقنيات من تطور، فإن قيمتها الحقيقية تظل مرتبطة بهدف أساسي يتمثل في تحسين حياة المرضى.
وتجسد مسيرة اللواء طبيب فهد بن خليفة آل خليفة، بما تجمعه من قيادة طبية عسكرية، وإسهامات أكاديمية وتعليمية، وخبرات في علاج الإصابات المعقدة والجراحات الروبوتية، مفهوم الابتكار الطبي بوصفه وسيلة لتمكين الجرّاح من أداء رسالته الأساسية بكفاءة ودقة أكبر، والمتمثلة في استعادة الحركة، وتخفيف الألم، والارتقاء بجودة الحياة.


